قال أحدهم لرفيقه:
أنت ستعيش مرة واحدة.
فقال له رفيقه:
بل سنموت مرة واحدة، ونعيش كل يوم.
قد تبدو لنا وكأنها عبارة بسيطة،
لكنها تفتح بابًا واسعًا لفهم مختلف للحياة.
فنحن لا نعيش الحياة كحدث واحد طويل،
بل كسلسلة أيام قصيرة،
لكل يوم ملامحه، ونكهته، وأثره الخاص.
نحن نعيش كل يوم
تفاصيل جديدة
أحداث جديدة
مشاعر جديدة
وقد لا ننتبه لذلك،
لأننا اعتدنا اختصار الحياة في عناوين كبيرة:
عمر، وظيفة، نجاح، فشل…
بينما الحقيقة أن الحياة
تحدث في المساحات الصغيرة،
في يوم عادي قد لا نلتفت إليه.
لا يوجد يوم يشبه الذي سبقه تمامًا،
وإن بدا لنا كذلك.
فكل يوم مختلف في داخله،
في تفاصيله…
وهنا يكمن المحك الحقيقي.
نحن من نمنحه طابع التكرار
حين نعيش بالآلية نفسها،
وبالانتباه نفسه،
وبالقرارات المؤجلة نفسها.
التشابه ليس قدرًا…
إنه اختيار غير معلن.
نختار التكرار حين نخاف من التغيير،
وحين نؤجل الأسئلة الصعبة،
وحين نسمح للأيام
أن تمر دون حضور حقيقي.
وهنا يصبح الفرق واضحًا
بين من يمرّ بالحياة،
ومن يعيشها.
أن تحيا
لا يعني أن تكون سعيدًا طوال الوقت،
ولا أن تكون أيامك مثالية.
بل أن تكون حاضرًا فيها.
أن تشعر، أن تفهم، أن تتعلم، أن تراجع نفسك.
أن تسمح للحظات بأن تمر كما هي،
دون أي محاولة للسيطرة عليها.
حتى الألم،
حين نعيشه بوعي،
يصبح جزءًا مفيدًا من الحياة،
لا نفيًا لها.
ما الذي يمنعنا من أن نكون حاضرين في كل لحظاتنا؟
بعيدًا عن جذب الذكريات،
وخشية المقبلات؟
العديد منا
يقيم في الماضي،
ويستعرض المستقبل،
ويغفل عن اللحظة التي بينهما.
نطلق مشاعر تجاه ما قد لا يحدث،
فنولد قناعات
تحرمنا من أن نعيش يومنا كما ينبغي.
عقولنا تصنع قصصًا
تخويفية أو تحذيرية،
تنطلق من الماضي إلى مستقبل متخيل،
متجاوزة الحاضر دون وعي.
وحين نمضي أوقاتًا أطول
في الماضي أو المستقبل،
نقاوم المتعة النفيسة
التي تمثل أمامنا الآن.
كل منا يملك تركيبته الخاصة،
وراحته الداخلية الخاصة.
وما نحتاجه فقط
أن نزيل الوحل المحيط بها،
لنستعيدها كما هي.
أن نعيش هذا
يعني أن نسمح لما هو موجود
أن يكون موجودًا.
أن نتقبله،
ونتحدث عنه،
ونتعايش معه،
وربما… نستمتع به.
التواجد
يعني الانتباه،
والإحساس بما يدور داخلك،
وإفساح المجال لذلك
دون تدخل،
أو إصدار أحكام،
أو اعتراضات.
هذا المستوى من الحضور
يعطينا حرية حقيقية
لنكون من نحن عليه فعلًا.
فنحن لا نحتاج إلى أعمار أطول،
نحتاج إلى أيام أعمق.
وكل صباح يمنحنا فرصة جديدة:
إما أن نعيش يومًا مختلفًا،
أو نكرر الأمس باسم الراحة.
وفي النهاية،
سنموت مرة واحدة.
ليس السؤال كم سنعيش…
بل كيف سيكون حضورنا.



