في زمنٍ تتسابق فيه الصور، ومقاطع الفيديو، والأرقام المختصرة لاحتلال وعينا، لم يعد السؤال:
ما الذي نراه؟
بل: ما الذي لا يُراد لنا أن نراه؟
صورة واحدة قد تختصر قصة كاملة، ومقطع قصير قد يصنع قناعة راسخة، ورقمٌ مُجتزأ قد يقود رأيًا عامًا بأكمله إلى اتجاه واحد، لا لأنه كاذب بالضرورة، بل لأنه ناقص… أو مشوَّه.
المشكلة اليوم ليست في وفرة المعلومات، بل في طريقة عرضها، وانتقاء زواياها، وتقديمها دون سياقها الطبيعي. فالحقيقة حين تُجزّأ، لا تحتاج إلى تزوير كي تُشوَّه؛ يكفي فقط أن تُعرض من زاوية واحدة، وأن يُخفى ما عداها.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا، لا لننكر الأرقام، ولا لنخاصم الواقع، بل لنسأل السؤال الأهم:
هل ما نراه هو الصورة الكاملة فعلًا؟
يقال إن «الخريطة لا تمثل الحقيقة»، وكذلك الصورة؛ فهي ليست الواقع ذاته، بل تصوّر المصوّر أو المخرج، وزاويته، والفكرة التي يرغب في إيصالها. قد لا يكون في ذلك تزوير، لكنه اختيار واعٍ لنقطة التوقف التي تخدم رسالة بعينها.
ولم يعد هذا التأثير حكرًا على تقارير منظمة أو أفلام وثائقية تقف خلفها مؤسسات كبرى، بل أصبح اليوم في متناول الأفراد. مقاطع تُتداول، وكلمات تُستخدم، وتعابير تنتقل بين الناس دون وعي بنتائجها.
وهنا يكون التأثير أعم، لأنه لا يمر عبر نقد أو تمحيص.
العاقل منا يتساءل دائمًا:
هل ما نراه هو الحقيقة؟
وهل الصورة مكتملة وسليمة؟
شاهدتُ يومًا مقطعًا يُظهر صورة تتضح تفاصيلها كلما ابتعدت العدسة. ومع كل خطوة للخلف، يتغير الفهم. وهنا تتجلى خطورة الزاوية الواحدة؛ فالمخرج لا يزوّر، لكنه يختار متى يتوقف.
فماذا لو أُضيف إلى ذلك تشويه، أو اجتزاء، أو تحريف؟
إذن… لماذا نصدق ما يُعرض علينا؟
نصدق غالبًا ما نريد أن نصدق.
داخل كلٍّ منا رغبات وتجارب واحتياجات، تجعلنا نميل لتصديق فكرة دون أخرى. كما أن أول معلومة نتلقاها في مجال نجهله تشكّل القاعدة التي يُبنى عليها كل ما يأتي بعدها.
فماذا لو كانت هذه القاعدة ناقصة؟ أو مشوّهة؟ أو صيغت بعناية لتخدم تصورًا معينًا؟
الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى:
الاختصار
الصورة
الرقم السريع
وهذا ما يتم توظيفه بذكاء عبر مقاطع قصيرة، ورسوم مبتورة، وعناوين مثيرة، تتسلل إلى وعينا ولاوعينا دون مقاومة تُذكر.
من هنا تُصنع القناعات:
مقطع قصير ينقل جزءًا من الحدث،
رسم بياني ناقص، حتى وإن استند إلى مصدر معروف،
عنوان مثير لا علاقة حقيقية له بالمحتوى.
وهنا يضيع الفرق الكبير بين المعلومة والفهم.
جرب أن تحاور من حولك، ستلاحظ استخدام مفردات وتعابير لا تخصهم، ولا تعبر عنهم، لكنها أصبحت جزءًا من خطابهم اليومي؛ ليس لأنهم اختاروها، بل لأنهم تشربوها دون وعي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
أن يفقد الإنسان بوصلته، فلا يعود يعرف من هو، ولا ماذا يريد، ولا أي خطاب يتبع.
مثال واقعي: الجدل حول معدل الإنجاب في السعودية
يقال كثيرًا: «الأرقام لا تكذب».
وأجد صعوبة في قبول هذه المقولة على إطلاقها. وإن قبلتها، فسأقول: الأرقام قد لا تكذب، لكنها قد تُضلِّل.
الرقم قد يكون صحيحًا حسابيًا، وخاطئًا معرفيًا. فعندما نحسن ترتيب المعادلة، نحصل على النتائج التي نريدها، دون أن نزوّر شيئًا.
مثال ذلك: الحديث عن انخفاض معدل الإنجاب إلى 2.0 أو 2.1.
السؤال ليس في الرقم، بل في:
أين؟
وكيف؟
ومن شملتهم الدراسة؟
معدل الخصوبة الكلي (TFR) هو متوسط عدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم المرأة طوال حياتها الإنجابية، استنادًا إلى بيانات سنة محددة. وغالبًا ما يُحسب لجميع السكان المقيمين، مع وجود فروقات كبيرة عند الفصل بين المواطنات والمقيمات.
لذلك، لا يمكن فهم رقم واحد دون معرفة الفئة التي يمثلها.
تشير البيانات إلى أن المعدل الإجمالي في السعودية قريب من مستوى الاستبدال السكاني، وليس أزمة فورية. لكن عند الفصل، تظهر صورة مختلفة؛ إذ إن معدل خصوبة السعوديات أعلى من المتوسط العام، بينما ينخفض الرقم الإجمالي بسبب تركيبة السكان المقيمين، وارتفاع نسبة غير المتزوجات أو من لم ينجبن بعد.
وهنا يتضح كيف يمكن للرقم الواحد أن يُستخدم لبناء سرديتين متناقضتين.
كيف نحمي أنفسنا من الخداع؟
بأسئلة بسيطة:
من شملتهم الدراسة؟
من تم استبعادهم؟
ما السياق الزمني والاجتماعي؟
هل الرقم مقارن أم مجرد؟
وبالانتقال من:
الانسياق → إلى التفكير
التفاعل العاطفي → إلى الفهم
الخاتمة
لسنا أمام مشكلة أرقام، ولا أمام أزمة واقع، بقدر ما نحن أمام أزمة قراءة وفهم.
فالأرقام لا تكذب حين تُقرأ في سياقها، لكنها قد تُضلِّل حين تُجتزأ، وتُخيف حين تُقدَّم دون تفسير.
الصورة، والفيديو، والإحصائية أدوات محايدة في أصلها، لكن خطورتها تبدأ عندما تُستخدم لصناعة الانطباع بدل الحقيقة.
وما بين التفاؤل الأعمى والتشاؤم المبالغ فيه، يبقى الوعي هو الموقف الأكثر نضجًا:
أن نحسن السؤال، وأن نبحث عمّا لم يُذكر، وأن نرفض أن نكون أسرى زاوية واحدة.
فالحقيقة لا تُختصر في رقم، ولا تُقاس بمقطع، ولا تُرى من عدسة واحدة.



