• ×

حين يصبح اليوم ماضيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 وصلتني رسالة عن سؤال طُرح على مجموعة من الأشخاص تجاوزت أعمارهم الثمانين عامًا، وكان السؤال:


ما أكثر شيء تتمنى أنك فعلته بعد كل هذا العمر؟


كانت الإجابات متشابهة إلى حد ما، وكأنهم أجمعوا على قول واحد:


ليتني لم أنتظر.


أكبر خداع نمارسه على أنفسنا أننا نتعامل مع الفرص وكأن لها صلاحية مفتوحة، وكأن الوقت سيعيد لنا المشهد متى شئنا.


لكننا لا نملك الماضي.
نحن اليوم نعيش مساحة وأحداثًا ستصبح من الماضي غدًا.
فنحن لا نحزن فقط على الأشخاص الذين فقدناهم، بل أحيانًا نحزن على النسخة الأخيرة من علاقتنا بهم.


وتلك النهاية قد تكون أصعب من الفقد في بعض الحالات، لأنها لا تمنحنا حتى لحظة واضحة نقول فيها: هذه كانت النهاية.


فقط تتوقف الأشياء.
تنتهي اللقاءات، تقل المحادثات، تتغير الظروف، يأخذ كل منا طريقًا مختلفًا، ثم نكتشف بعد سنوات أن آخر مرة حدث فيها شيء ما كانت قد مرت أمامنا دون أن نعرف أنها الأخيرة.


ربما لا نستطيع تغيير الذكرى المؤلمة، لكن يمكننا أن نصنع بعدها ذكريات جميلة، بحيث لا تبقى تلك الذكرى هي الصورة الدائمة التي تختزل علاقتنا بالشخص أو الشيء أو حتى المكان.


نحن نعيش وكأن الحياة ستعيد لنا المشهد متى شئنا، بينما نحن لا نعلم متى سينتهي المشهد ويسدل الستار.


نلاعب أطفالنا.
نجلس مع أبنائنا.
نلتقي أصدقاءنا.
نزور من نحب.
نمارس هواية نحبها.
نزور مكانًا نحبه.
نقول كلمة كان يجب أن نقولها.
نفعل شيئًا طالما قلنا: سأفعله لاحقًا.
نلتقيهم المرة الأخيرة.
نفعل الشيء المرة الأخيرة.
نزور المكان المرة الأخيرة.
ونحن فقط ننتظر.


أياً كان ما سنفعله، نحن حرفيًا لا نعلم هل ستأتي لنا فرصة أخرى أم لا.
إذا عدنا بالذاكرة، فكم مرة سنجد أنها كانت المرة الأخيرة فعلًا، لكننا اليوم نتألم لأنها كانت كذلك؟
ألسنا نقول دائمًا:


سألتقيه لاحقًا.
سأزورهم قريبًا.
سأقول له أو لها ما أريد عندما تهدأ الأمور.
سأعود لممارسة الشيء الذي أحبه.
سنجلس مرة أخرى.
ستكون هناك فرصة أخرى.


ننتظر، نؤجل، نعلق، إما لأمل أو كبرياء أو لأشياء نراها في وقتها مبررة، لكننا مع الوقت نكتشف أننا كنا فقط نحرم أنفسنا مما نحب ومن نحب.


الحياة لا تقدم لنا ضمانًا بأن المشهد نفسه سيعود.
ولعلنا نستطيع أن نختبر ذلك الآن بطريقة بسيطة.


أغلبنا، إن لم يكن جميعنا، يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل:
لإلقاء التحية، التهنئة، المواساة، وأحيانًا للمحادثة.
إذا كنت تملك أحد هذه التطبيقات، افتحه.
اذهب إلى المحادثات.
تصفحها، وعد إلى آخر أسبوع، ثم آخر شهر، ثم عد في الوقت إلى أطول فترة تستطيع تغطيتها.


والآن اسأل نفسك:
من بين كل هذه المحادثات، من هم الأشخاص الذين لم تعد تكتب لهم إلا عندما يكون هناك سبب؟
تهنئة.
تعزية.
مناسبة.
طلب.
سؤال محدد.


ثم اسأل نفسك السؤال الأهم:
لماذا نحتاج إلى مناسبة أو مبرر حتى نتواصل مع شخص نحبه؟
كيف حالك؟
اشتقت لك.
جيت في بالي وقلت أتطمن عليك.
أتمنى أنك بخير.
رسائل بسيطة جدًا، لكنها أحيانًا تصنع ذكرى لا نعرف قيمتها إلا بعد سنوات.


والآن اسأل نفسك من جديد، وكن صريحًا في الإجابة:
هل هناك شخص تنتظر أن يراسلك، بينما قد ينتظر منك أن تفعل الشيء نفسه؟
لا تسمح لإحساس: لماذا أنا الذي يبدأ؟
أن يتحول إلى مبدأ يحرمك مما تحب، فقط لأنك تأخرت بلا مبرر.
لا تجعل انتظار مبادرة الآخر يمنعك من فعل شيء تريده، بل ربما تحبه.


ابدأ أنت.
اتصل.
زر.
قل الكلمة.
مارس ما تحب.
اذهب إلى المكان الذي أجلت زيارته.
اصنع شيئًا جميلًا، ولو كان بسيطًا.
ليس لأنك تعرف أن هذه ستكون المرة الأخيرة، بل لأنك لا تعرف.
لا تنتظر المرة الأخيرة حتى تبدأ في صناعة الذكريات التي ستتمنى لاحقًا لو أنها كانت موجودة.
فنحن لا نملك الماضي، ولن نستطيع عندما يصبح اليوم ماضيًا أن نعود إليه لنغير أحداثه.
لكننا نملك اليوم.
ونملك الآن.


وغدًا، عندما يصبح هذا اليوم جزءًا من ذاكرتنا، لن نستطيع تغييره.
لكننا نستطيع اليوم أن نقرر ماذا نريد أن نتذكر منه.
بواسطة : admin
 0  0  24
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:41 مساءً الأحد 23 أغسطس 2026.