كل قرار نتخذه يبدأ بقناعة، لكننا نادراً ما نتساءل: من أين جاءت تلك القناعة أصلاً؟
قال لي أحدهم يومًا: مشكلتنا أننا أمة لا تقرأ.
فأجبته: ليست المشكلة فيمن لا يقرأ، بل فيمن يقرأ دون أن يعرف ماذا يقرأ، ولماذا يقرأ، وكيف يقرأ.
منذ مدة وأنا أكتب عن أفكار تبدو متفرقة، لكنها في الحقيقة تدور حول سؤال واحد.
كتبت عن الفراغ، وكيف لا يسرق الوقت فحسب، بل قد يسلب الإنسان هويته وهدفه.
وكتبت عن التغيير والتأثير، وكيف يمكن للحاجة إلى الانتماء أن تتحول إلى صناعة أتباع، وقيادات، ورموز وهمية تعيد تشكيل رغبات المجتمعات وتوجهاتها دون أن يشعر معظم أفرادها بذلك.
ثم كتبت عن الطبقية التي عادت بأقنعة جديدة؛ تختلف في الشكل، لكنها لا تختلف في الجوهر، إذ يبقى الإنسان يُصنَّف ويُقاس وفق معايير يفرضها المجتمع في كل عصر.
وبين هذه الأفكار، شاهدت أفلامًا ومسلسلات، وقرأت روايات وقصصًا كثيرة، حتى بدأت ألاحظ خيطًا يجمعها جميعًا.
في كل مرة، هناك قواعد غير مكتوبة، وتعليمات لا يراها أحد، لكنها ترسم حدود الحرية، وتحدد ما يمكن أن تريده، وما يجب أن تخشاه، بل وما تظنه قرارًا شخصيًا، بينما قد لا يكون كذلك.
ومن هنا بدأ سؤال يفرض نفسه عليّ:
هل نحن أحرار فعلًا في تشكيل قناعاتنا ومساراتنا، أم أننا نتحرك داخل حدود رُسمت لنا مسبقًا، ثم نقنع أنفسنا أن ما اخترناه كان إرادتنا الخالصة؟
هناك مقولة يكاد يتفق عليها الجميع، وهي أن الإنسان يختار دائمًا ما يراه الأنسب له في لحظة الاختيار. ولا أجد سببًا يدفعني لرفض هذه الفكرة، لكنني لا أستطيع أيضًا تجاهل سؤال آخر:
من الذي يصنع الخيارات التي أراها أصلًا؟
هل أختار بحرية، أم أن أحدًا سبقني إلى تشكيل البيئة التي جعلت خيارًا يبدو منطقيًا، وخيارًا آخر يبدو مستحيلًا؟
وهنا عاد السؤال الذي لم يفارقني منذ البداية:
من يصنع قناعاتنا.
وكيف تتشكل اختياراتنا؟ *هل تبدأ داخل الأسرة والمدرسة، أم يعاد تشكيلها لاحقاً عبر الإعلام والاقتصاد والثقافة والخوارزميات، وحتى أولئك الذين نتابعهم بإعجاب ونسميهم مشاهير أو مؤثرين؟؟
وإلى أي مدى يمكن أن تُصنع قناعاتنا دون أن نشعر؟
لكن القناعة لا تتشكل في لحظة، ولا يصنعها مصدر واحد. إنها تتكون بهدوء، عبر آلاف الرسائل الصغيرة التي نتلقاها منذ طفولتنا. الأسرة تضع البذرة الأولى، والتعليم يمنحها شكلاً، والمجتمع يحدد المقبول والمرفوض، ثم يأتي الإعلام والخوارزميات والمشاهير ليعيدوا تشكيلها مرة بعد أخرى، حتى يصبح من الصعب أحيانًا أن نفرق بين ما اخترناه فعلًا، وما اعتدنا عليه حتى ظنناه اختيارًا.
ومع مرور الوقت، لا تعود المشكلة في أن الآخرين يؤثرون فينا، فهذا أمر طبيعي، بل في أننا نتوقف عن ملاحظة هذا التأثير، فنحسبه جزءاً من ذواتنا.
التاريخ يخبرنا أن هذا السؤال ليس ضربًا من الخيال. فقد شهد العالم أحداثًا موثقة استُخدم فيها التضليل، أو افتُعلت فيها وقائع، أو صُنعت روايات، لتوجيه الرأي العام وتبرير قرارات كبرى غيّرت مجرى التاريخ.
ولا يعني ذلك أن كل حدث يخفي مؤامرة، لكنه يعني أن قبول الرواية الأولى دون تمحيص ليس دائمًا الخيار الأكثر حكمة.
ولا يقتصر الأمر على السياسة والحروب. *ففي عالم التجارة والرياضة والإعلام، نجد محاولات متكررة للتأثير في الرأي العام وصناعة الانطباعات وتوجيه السلوك الاستهلاكي. *ولست بصدد استعراض تلك الأمثلة هنا، فليست هي موضوع المقال وإنما الإشارة إلى أن التأثير في القناعات أصبح صناعة قائمة بذاتها، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية.
أنا لا أدعو إلى التشاؤم، ولا أزعم أن كل ما يحدث حولنا ليس سوى سيناريو أعد مسبقاً، كما أنني لا أطالب القارئ بأن يرى في حدث مؤامرة خفية.
كل ما أدعو إليه هو أن نستعيد حقنا في التفكير.
أن نتوقف قليلاً قبل أن نتبنى زاوية أو ننحاز إلى رأي، أو نردد فكرة لمجرد أنها الأكثر انتشاراً أو صدرت ممن نحبهم أو نحمل لهم التقدير أو الاعجاب.
فالعقل لا يقاس بكمية ما يحفظه من معلومات، بل بقدرته على مساءلة تلك المعلومات وربطها وفهم سياقها.
وفي المرة القادمة التي تجد نفسك فيها أمام قرار أو خبر أو رأي يطالبك بالانحياز إليه، لا تتعجل.
اسأل نفسك:
من المستفيد؟
من صاغ الرواية؟
ما الذي لم يُقَل؟
هل أرى الصورة كاملة، أم أنني أنظر إليها من زاوية اختارها لي شخص آخر؟
ربما لن تصل إلى الحقيقة كاملة، ولن تتحرر من كل تأثير، لكنك على الأقل، ستصبح أكثر وعياً بما يصنع قناعتك،،، لأن الحرية لا تبدأ حين تجد الإجابة، بل حين تعرف كيف تطرح السؤال.



