• ×

تأثير النخب الوراثية وصناعة القدوات الوهمية

من افتقاد الهوية إلى توجيه المجتمع لخدمة النخبة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 تواجه المجتمعات اليوم تحديًا متزايدًا يتمثل في افتقاد شريحة واسعة من الشباب لهويتهم الذاتية، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالرموز السطحية والقدوات المصطنعة.
وفي ظل هذا الفراغ الداخلي الذي يؤدي إلى شبه انعدام في الهوية الذاتية، تتقدم النخب الوراثية (أبناء الأثرياء والوجهاء وأصحاب القرار وأتباعهم بالطبع) لتشكيل الوعي الجمعي وتوجيه مسار المجتمع بما يخدم مصالحها الخاصة. وهنا تبدأ دورة مترابطة تؤدي إلى صناعة قدوات وهمية، ثم صناعة أتباع، ثم توجيه المجتمع بشكل غير متوازن ليخدم هذه النخب وتوجهاتها.

1. افتقاد الهوية: البذرة التي تبدأ منها المشكلة

سبق وأن خصصت موضوعا منفرداً تحدثت فيه أنه عندما يفتقد الشاب مساره، ووضوح أهدافه، وإحساسه بذاته، يصبح قابلاً للتشكل بسهولة. غياب الهوية يفتح الباب أمام أي نموذج جاهز يُعرض عليه، بغض النظر عن قيمته الحقيقية. وهنا يبدأ الانجذاب نحو المظاهر بدلاً من الجواهر، ونحو الأضواء بدلاً من الإنجاز، ونحو المقارنة المستمرة التي تخلق شعورًا بالعجز والدونية تقوده لا وعياً إلى التبعية ظناً منه أنه سيصبح من الفئة النخبوية.

2. صناعة القدوات: فراغ يملؤوه الوهم

في ظل هذا الفراغ، تدخل النخب الوراثية إلى المشهد عبر القنوات الإعلامية والمنصات الاجتماعية، لتُقدّم عروضًا بصرية براقة تُظهِر أبناء النخبة كرموز للنجاح، رغم أن نجاحهم غالباً يقوم على إرث لا على جهد. وبسبب امتلاكهم للمنصات والظهور والدعم، يصبحون قدوات مُصنّعة أكثر منهم نماذج حقيقية. فيتكوّن لدى الشباب تصور مشوّه للنجاح يعتمد على الرفاهية والاستهلاك والبريق، بدلاً من العمل والإبداع والسعي.

3. صناعة الأتباع: نتيجة طبيعية لضعف الهوية وزيف القدوة

حين تتكرر الرسالة الإعلامية، وتتسع الفجوة بين الواقع والواجهة، يتحول الشباب تدريجياً إلى أتباع للقدوات الوهمية. يتأثرون بملابسهم، وطريقتهم في العيش، وطموحاتهم، واختياراتهم الاستهلاكية، وقبل كل ذلك أفكارهم. فيصبح المجتمع مليئاً بشباب يقلدون ولا يبتكرون، ينجذبون للمظاهر بدل المحتوى، ويبحثون عن صورة الحياة وليس عن الحياة نفسها يتبنون أفكار ومن ثم سلوكيات ليست لهم ولا علاقة لها بمجتمعهم ظناً منهم أنهم يحسنون صنعاً.
وهنا يتعمق الإحساس بالفوارق الطبقية، ويُقنع الأتباع أنفسهم بأن النجاح الحقيقي محصور داخل دائرة لا يمكن دخولها إلا بالمظهر أو ارتباط اسمي بالنخبة، وهذا هو المطلوب أن تسلك هذا الطريق لا وعياً، والحقيقة أن هذا بأسره ليس سوى خطة أعدت مسبقاً لوضعك في هذا المسار الذي تعتقد يقيناً أنه خيارك الأمثل.

4. التأثير السلبي للنخب الوراثية: إعادة تشكيل المجتمع لخدمتها

تستفيد النخب الوراثية من هذا النمط في ثلاثة مستويات:

أولاً: التحكم في الوعي

تصبح النخبة قادرة على تحديد ما يُناقَش وما يُنسى، وما يُعتبر مهمًا وما يُعتبر تافهًا. عبر الإعلام والمؤسسات والمنصات، تُعاد صياغة أولويات المجتمع وفق ما يتناسب مع مصالحها، كل هذا يحصل بشكل غير مباشر ويبدو للعامة على أنه عفوي أو غير موجه ومخطط له.

ثانيًا: تشكيل الطموح بما يخدم مصالحهم

يُعاد تعريف النجاح بطريقة تجعل الشباب يلهثون خلف منتجات النخبة، أو فعالياتها، أو أسلوب حياتها، مما يحوّل المجتمع إلى سوق استهلاكي ضخم يعمل لصالحها.

ثالثًا: توجيه المجتمع نحو مشاريع ظاهرها اجتماعي وباطنها نفعي

هنا تنشأ مبادرات تبدو وكأنها لخدمة المجتمع، لكنها في الحقيقة تضاعف نفوذ النخبة، وتمنحها شرعية اجتماعية، وتفتح لها أبوابًا اقتصادية جديدة.

5. النتيجة: مجتمع بلا هوية يخدم النخبة دون وعي

ينتهي الأمر بمجتمع فقد القدرة على تمييز القدوة الحقيقية من القدوة المصطنعة.

تتشكل اهتماماته وفق مصالح فئة محدودة لا تمثل الجميع.

يصبح شبابه مستهلكين بدل أن يكونوا صانعين.

وتصبح الرموز الموجهة من النخبة هي مركز الحركة الاجتماعية.

وهكذا، وبطريقة سلسة وغير مباشرة، تؤدي افتقاد الهوية إلى صناعة القدوات الوهمية، التي تؤدي إلى صناعة الأتباع، التي تُمكّن بدورها النخب الوراثية من توجيه المجتمع لخدمة مصالحها، في دائرة مغلقة لا تنكسر إلا بإعادة بناء الهوية، وإبراز القدوات الحقيقية، ورفع وعي الأجيال.
بواسطة : admin
 0  0  39
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:16 مساءً السبت 29 نوفمبر 2025.