تشويه صورة الأب.. ظاهرة عابرة أم حرب صامتة على الأسرة؟
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الأصوات، وتتبدل فيه المفاهيم وتتحور، بدأت ألاحظ ظاهرة غريبة لا يسعني أن أتجاهلها، أو أغض النظر عنها ولا أن أتقبلها أو أتعايش معها
.
في أيامٍ متقاربة، سمعت عبارات تتكرر بصيغٍ مختلفة وبمناسبات مختلفة ولكنها تلتقي في المعنى نفسه:
أحدهم يقول إن “أهلك لن يحزنوا عليك”،
وآخر يزعم أن “فقد شيء من أمور الدنيا أشد من فقد والدك”،
وثالث يهوّن من مكانة الأب ويصفه بالضعيف أو المتحجر،
وطبيب يسخر من أبٍ يقف بجانب طفله في المستشفى ويصفه بالجاهل أو الغائب الذي لا يعلم عن حال طفله.
وأحد منسوبي المدارس يردد بلا خجل أنه لا يحبذ أن يتواصل معه أي أب فيما يتعلق بمستوى ابنه الدراسي ،،
وغيرهم،،،
للوهلة الأولى، تبدو هذه المواقف متناثرة لا رابط بينها، لكن تتابعها الزمني وتشابه رسائلها يجعل المرء يتساءل:
هل نحن أمام صدف متكررة؟
أم أمام موجة فكرية خفية تتسلل إلى وعينا لتُضعف صورة الأب وتزعزع مكانته في الأسرة والمجتمع؟
سؤالٌ كهذا لا يخصّ موقفًا عابرًا، بل يمسّ جوهر العلاقة الإنسانية الأولى التي يتكوّن منها البناء الأسري بأكمله.
فهل تغيّر الزمن فعلاً؟
أم أن هناك من يسعى - بوعي أو بغير وعي - إلى إعادة رسم صورة الأب في الوعي الجمعي بما يتناسب مع قيمٍ جديدة لا تُشبه جذورنا ولا تُشبه الإنسان حين كان يعرف معنى الانتماء والأمان؟
السؤال المكرر: هل هي ظاهرة فعلًا؟
حين تتكرر الرسائل ذاتها من جهات مختلفة، وبأساليب تبدو متباينة، فذلك يدعو للتوقف والتأمل.
قد لا تكون المسألة مجرد عباراتٍ عابرة، ألقاها من ألقاها بل ملامح لتيارٍ ثقافي جديدٍ أخذ ينساب بهدوء بين الناس، يعيد تعريف الأدوار داخل الأسرة، ويشكّك في الثوابت التي طالما شكّلت أساس التوازن الإنساني والاجتماعي.
في السنوات الأخيرة، باتت صورة الأب تتراجع في الخطاب العام، لا بوصفه رمزًا للحكمة أو السند، بل ككائنٍ ثقيل الظل، جامد العاطفة، أو متسلط لا يفهم أبناءه، ولا يدرك الأبعاد الحقيقية للمجتمعات ومدى التطور والتقدم الذي آلت إليه بينما هو لا يزال يعيش في الماضي الذي ولد فيه.
تكرّست هذه الصورة في الأعمال الدرامية، وفي بعض الخطابات الإعلامية، وحتى في المحتوى الذي يُقدَّم للأطفال والمراهقين، حيث يُصوَّر الأب وكأنه العقبة أمام “تحقيق الذات” أو "التطور والتقدم" أو
“الحرية الشخصية”.
مع تكرار هذه النماذج، بدأ الوعي الجمعي يتشكّل على نحوٍ جديد؛
جيلٌ كامل ينشأ وهو يرى الأب متهمًا لا مُكرّمًا، مراقَبًا لا مُحترمًا، حتى صار كثير من الآباء أنفسهم يترددون في ممارسة دورهم الطبيعي خوفًا من أن يُتَّهموا بالقسوة أو التخلف، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى الخوف من تعرضهم للأذى أو العقاب.
وهنا يبرز السؤال:
هل نحن أمام انعكاس طبيعي لتحولاتٍ اجتماعية حقيقية!!
أم أن هناك اتجاهًا ثقافيًا موجهًا يسعى - عن قصد أو من خلال تراكم الرسائل - إلى تفكيك منظومة القيم الأسرية التي كانت ولا زالت تحمي المجتمعات من الانهيار الداخلي؟
الأسباب والمسببات (من وجهة نظري ومتابعتي)
حين نقترب أكثر من جذور هذه الظاهرة، ندرك أن المسألة لا تتعلق بعبارات متناثرة أو مواقف محدودة، بل هي انعكاس لمجموعة من التحولات الثقافية والاجتماعية والنفسية التي أصابت المجتمع المعاصر، ليس بفعل الزمن أو التقدم في الحياة وإنما وفق سيناريو تم إعداده مسبقاً بكل عناية.
أول هذه الأسباب هو التحول القيمي الذي رافق صعود النزعة الفردانية في المجتمعات الحديثة، حيث لم يعد الانتماء للأسرة يمثل القيمة العليا، بل أصبح الإنسان يُقاس بمدى “تحرّره” من كل ارتباط، حتى وإن كان ارتباطًا بالوالدين.
تحت شعاراتٍ براقة مثل “كن حرًّا” و“اصنع نفسك بنفسك”، جرى تفريغ الروابط الأسرية من معناها، وتحويلها من علاقة مسؤولية ورعاية إلى عبءٍ يعيق “الاستقلال”.
السبب الثاني هو تأثير الإعلام والمحتوى الرقمي، الذي أعاد تشكيل صورة الأب في اللاوعي الجمعي.
ففي الأفلام والمسلسلات، يُقدَّم الأب في الغالب بوصفه شخصًا ساذجًا أو صارمًا أو منفصلًا عن الواقع، بينما تُمنح الأدوار البطولية والعاطفية للأم أو للأبناء.
ومع تكرار هذا النمط لسنوات، أصبح الناس يتعاملون معه كـ”حقيقة اجتماعية”، لا كصورة درامية مبتذلة.
أما السبب الثالث، فيكمن في الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعيشها الآباء المعاصرون.
لقد تحوّل كثير منهم إلى “موظفين في خدمة الأسرة”، غابت عنهم لحظات الحضور الإنساني والتفاعل العاطفي، إما بسبب مشاغل الحياة، أو بسبب ثقافة اجتماعية لا تعترف بتعب الأب ولا بعاطفته.
ومع غيابه الجسدي أو الوجداني، تضعف صورته شيئًا فشيئًا في أعين أبنائه، وتحولت شيئاً فشيئاً من “الرمز” إلى “المصدر”.
ولا يمكن إغفال الدور الأيديولوجي العالمي الذي يعمل - أحيانًا دون إعلان - على إعادة تعريف الأسرة بما يتناسب مع تصورات ثقافية لا تنسجم مع قيمنا، حيث تُقدَّم فكرة “الأسرة المرنة” و“الأدوار المتبادلة” بطريقة تهمّش مكانة الأب بوصفه محور القيادة والرعاية.
وهكذا تتكوّن صورة جديدة للأب:
لا هو القائد، ولا هو القدوة، بل مجرد طرفٍ عادي في معادلة مفتوحة لا تفرّق بين من يزرع ومن يرعى.
من يقف خلفها؟
ليس من السهل الجزم بأن وراء هذه الموجة جهة محددة أو مخططًا متعمدًا، فالأفكار حين تنتشر لا تحتاج دائمًا إلى من يديرها، يكفي أن تجد بيئة خصبة لتترسخ وتنمو.
ومع ذلك، من الخطأ أيضًا أن نغضّ الطرف عن التأثيرات الثقافية العالمية التي تتسلل عبر الإعلام والمنصات الاجتماعية والمحتوى المترجم، لتعيد تشكيل مفاهيم الأسرة والسلطة الأبوية بصورة تتناقض مع قيمنا الأصيلة.
ففي الغرب، خاضت المجتمعات صراعًا طويلًا مع ما سُمّي بـ«النظام الأبوي»، حتى تحوّل الأب هناك إلى رمزٍ للسيطرة والتسلط في الوعي الجمعي.
وحين انتقلت هذه المفاهيم إلى مجتمعاتنا عبر التعليم والميديا والترجمة، لم تُنقل في سياقها التاريخي، بل جرى استيرادها كما هي، وكأنها حقائق إنسانية عامة تصلح لكل زمان ومكان.
وهكذا بدأت صورة الأب تتآكل في الخطاب المحلي، لا نتيجة ظلمٍ حقيقي، بل بفعل عدوى فكرية تكرّر نفسها دون وعي.
إلى جانب ذلك، هناك أيضًا دوافع تجارية وإعلامية تقف وراء تضخيم هذا الخطاب.
فكل ما يثير الجدل ويكسر الصورة المألوفة يجذب المتابعين والمشاهدات، لذلك أصبح من السهل على بعض صناع المحتوى أن يهاجموا رموز الأسرة - وفي مقدمتهم الأب - بحجة الواقعية أو الجرأة الفكرية.
والنتيجة: جيل ينشأ على الشك في كل سلطة، حتى لو كانت سلطة الحب والخوف عليه.
ليس المقصود هنا أن نبحث عن “عدوّ” خارجي، بل أن نعي أن الأفكار تُدار أحيانًا بطريقة ناعمة، لا عبر الخطابات المباشرة، بل عبر الإيحاءات المتكررة التي تغيّر الذوق والوجدان من الداخل.
وهنا تكمن الخطورة؛ فهدم صورة الأب لا يتم بضربة واحدة، بل عبر ألف مشهدٍ ساخر وألف تغريدةٍ خفيفة تزرع في النفس شعورًا بأن الأب ليس ضرورة، بل خيارًا قديمًا تجاوزه الزمن.
قيمة الأب في بناء الأسرة والمجتمع
الأب ليس مجرد شخصٍ يعيش بيننا ينتظر ساعة الرحيل؛
إنه العمود الذي تستند إليه الأسرة وإن لم يُرَ ظله،
والنبض الصامت الذي يمنح البيت اتزانه دون أن يعلن حضوره في كل لحظة.
قد لا يعبّر الأب دائمًا بالكلمات، لكنه يترك أثره في نظرات الطمأنينة، وفي شعور الأمان الذي يملأ القلوب دون أن يُقال.
الأب هو أول درسٍ في الاحتمال، وأول تعريفٍ للثبات.
منه يتعلم الابن كيف يواجه الحياة، وكيف يقف منكسراً ثم ينهض، ومنه تعرف الابنة معنى الحماية قبل أن تعرف الحب.
إن وجود الأب لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها في البيت، بل بالمعنى الذي يزرعه في نفوس من يعيشون تحت سقفه.
حين يضعف حضور الأب في الأسرة، لا يختفي فقط دوره المادي، بل يختلّ التوازن بأسره.
فالأب هو المِعيار، به تُوزن القرارات، ومن خلاله يتعلم الأبناء معنى المسؤولية والانضباط.
وإذا غابت هذه القيم، تحوّلت الحرية إلى فوضى، والمشاعر إلى نزوات، والبيت إلى مأوى بلا روح.
المجتمع الذي يُضعف صورة الأب يظن أنه يحرّر الأفراد، لكنه في الحقيقة يفقد بوصلته الأخلاقية ليبدأ خطواته لا إلى الحرية المزعومة بل إلى التحرر من الإنسانية.
فالأب ليس رمزًا للتسلط كما يصوّره البعض، بل رمزٌ للضبط والرعاية، للمحبة التي تحمي، وللحزم الذي يُقيم المعوجّ دون أن يُهين، للعطاء دون منّه أو انتظار الرد أو المقابل، فهو لا يسعى لأي ثمرة غير التي سعى إليها والده قبله.
ومتى فقد المجتمع هذه الصورة، أصبح بلا جذور، تسوقه الرياح حيث شاءت، وكيفما شاءت.
ولذلك فإن إعادة الاعتبار للأب ليست دعوة للعاطفة، بل نداءٌ لإنقاذ البنية النفسية للمجتمع.
فما من حضارة قامت على كره الآباء، وما من أمةٍ صمدت إلا وكان في أساسها أبٌ حمل القيم، وغرس في أولاده معنى الرجولة والرحمة والمسؤولية.
الخاتمة
حين أعود إلى تلك المواقف التي بدأت منها القصة، لا أراها اليوم كما رأيتها أول مرة.
لم تعد مجرد كلماتٍ عابرة أو سلوكيات فردية، بل إشارات صغيرة إلى تحوّلٍ أكبر يجري بصمت في عمق الوعي الاجتماعي.
تحوّلٌ يريد أن يعيد تعريف الأبوة، لا باعتبارها مسؤولية مقدّسة، بل كدورٍ يمكن الاستغناء عنه أو الاستهزاء به.
ومع ذلك، فإن الحقيقة أكثر عمقاً من كل تلك الأصوات العابرة؛
فمكانة الأب لا تهتزّ بخطابٍ عابر ولا بمحتوى متداول، لأنها مزروعة في الفطرة قبل أن تُكتب في القوانين،
وفي القلوب قبل أن تُدوَّن في الكتب.
سيظل الأب - رغم ما يقال وما يُروَّج - الركيزة التي يُبنى عليها البيت، والظلّ الذي لا يشعر به الأبناء إلا حين يفتقدونه.
وكل محاولة لتقليص دوره أو تشويه صورته، ليست إلا خطوة نحو فقدان البوصلة الإنسانية التي تحفظ التوازن بين القوة والرحمة، وبين القيادة والرعاية.
لذلك، يبقى الوعي هو السلاح الأهم؛
أن نُدرك ما يُبثّ في وعينا، وأن نحافظ على صورة الأب لا كرمزٍ سلطوي، بل كجذرٍ عميقٍ في تربة الأسرة،
لأن الأمم لا تنهض بكثرة الأبناء، بل بجذور الآباء الذين يعلّمونهم كيف ينهضون.



