• ×

أتمنى لك ما يكفي وأكثر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 أتمنى لكم ما يكفي وأكثر


أغلبنا إن لم يكن أكثرنا تواجد في مطار واحد على الأقل مرة واحدة على الأقل في حياته إن لم يكن جميعنا فعلنا ذلك.

بالنسبة لي فإنني لم أكن أتوقع أنني في فترة من فترات حياتي سأقضي أوقاتاً طويلة متنقلاً بين المطارات بين وداع ولقاء، رغم أنني في طالما تمنيت أن أكون مشهوراً أقضي وقتي مسافراً من بلاد إلى بلاد.

ولكنني لست مشهوراً الآن حتى أنني لا أملك من هذا التواجد في المطارات إلا تذاكري فقط وفي بعض الأحيان لا أملك حتى التذاكر،

أحببتهم وكرهتهم في الوقت نفسه، لقد أحببتهم لأنني ألتقي فيهم أناس من كل الأنواع والأجناس، ولهذا السبب أيضاً كرهتهم فالمسألة لا تتعدى أهلاً وسهلاً ومع السلامة.

أجد صعوبة بالغة في قول: مع السلامة أو في أمان الله، أي في لحظات الوداع، فأجد لها ألماً يعصر قلبي كل لحظة أشهد فيها وداعاً لو لم أكن أنا من يودِع أو يٌودًّع.

لهذا حين أشعر أنني في محنة، وأنني أواجه ما قد نسميه أحياناً مأساة، وحين أشعر بحزن شديد وألم بليغ فإنني أذهب إلى أحد المطارات وأرى هناك من يودعون أحبابهم؛

تتصافح أيديهم وقد تتعانق أرواحهم قبل أجسادهم، ومن ثم تلوح أيديهم لبعضهم البعض بعد أن تتراخي وتكون آخر عهدها ببعض هي رؤؤس الأصابع بعد تصافح الأكف وفراقها، حينها تتخاطب الأعين لتخط بدموعها أعذب وأصفى كلمات الوداع.

حين أرى ذلك، أشعر أنني بألف خير ، وأقدّر ما أنا فيه من نعمة وفضل، وأشكر الله على ذلك.


وفي أحد الرحلات وحيث كنت في المطار وبعد أن أخذت كرت الصعود إلى الطائرة وبينما أنا جالس أنتظر أن تفتح الأبواب لأتوجه نحو البوابة، التي منها أنتقل للطائرة التي ستقلني وكعادتي أحاول أن أركز بعض الشيء في الكتاب الذي أحمله معي أينما ذهبت إلا أنني لا أقرأ منه الكثير فهو يرافقني حتى يملني وأغيره بعد حين.

بنما أنا في ذلك الموقف لفت انتباهي رجل كبير، من يراه يجزم أنه تجاوز الستين، كان هذا الرجل واقفاً عند البوابة رقم 21 وكان يوادع ابنته التي سمعت لتوها النداء الأخير لرحلتها.

عانقها بحرارة، عناق الأب لأبنته وقال:

أحبك يا ابنتي، وأتمنى لك ما يكفي.

فأجابته وهي لا تزال في أحضانه قائلة:


أبي



حياتنا مع بعضنا البعض كانت أكثر مما يكفي، حبك لي هو كل ما احتجته فيها، وكل ما سوف أحتاجه منك، وأنا أتمنى لك أيضاً ما يكفي يا والدي العزيز.


ثم ارتخت يداه مجبرة، فقبلها على جبينها ثم غادرت ويداها تلوحان ليديه ثم مشى نحو النافذة ليودع الطائرة وهي تتحرك فوق المدرج، مكث هناك طويلاً لدرجة أنه أشغلني عن كتابي العزيز وعن الانتباه إلى رحلتي إن حان موعدها أم لا.

لحظات واذا به يجلس في المقعد الذي بجانبي، ويتنفس بطريقة عجيبة وكأنه يريد أن يستنشق ما تبقى من عبير ابنته، أو أن يعيش في المكان الذي ودعها فيه أطول ما أمكن.

عندما جلس بجانبي واستند إلى ظهر الكرسي، رأيت في عينيه رغبة شديدة للبكاء، فلم أشأ أن أتطفل كي لا أثير دمعاته رغم أن فضولي يسبق كلماتي غالباً - .


التفت إلى بعد حين ورحب بي، طبعاً بعد أن قمت ببعض الحركات التي جعلته يرتاح لي بعض الشيء، فكما أسلفت فضولي هو من يتصرف في هذه المواقف متجاوزاً فكري.


فسألني: هل سبق وأن قلت لأحدهم "في أمان الله" وأنت تعلم أنها المرة الأخيرة التي تراه فيها؟؟


نعم سبق لي ذلك، كان هذا جوابي له.


إجابتي هذه أعادت إلي بعض الذكريات، بعض التجارب، بعض المواقف، فشعرت بامتنان شديد لوالدي العزيز، ووالدتي الحبيبة، وتمنيت لو أنهما بقربي لأقع وأقبلهما شكراً لهما ، واعترافاً بفضلهما ، وطلباً لعفوهما.

تذكرت أن أيامهما في الحياة معدودة وإن طالت، فهل يا ترى سأتمكن من أن أخبرهما كم يعنيان لي وجها لوجه !!

أحسست بمرارة إحساس هذا الأب الجالس بقربي


أعذرني للسؤال:

ولكن كيف تعرف أن هذا الوداع الأخير؟؟ سألته


فأجابني:


أنا كبير في السن كما ترى، وهي تسكن في منطقة بعيدة جداً، والسفر إليها متعب وشبه مستحيل بالنسبة لي، ويكلفها الكثير أيضاً، ولا أستطيع الانتقال للسكن معها لأسباب عدة.

أواجه مشاكل صحية كثيرة، وأعتقد أن رحلتها القادمة ستكون لحضور جنازتي، أو ربما إن أكرمها المولى ستودعني على فراض الموت.

سكت بعد ذلك لبرهة ليست بالقصيرة، فأردت أن أواسيه فقلت له:


عندما كنت تودعها، سمعتك تقول:

أتمنى لك ما يكفي !!!

هل لي أن أسأل عمّا كنت تعنيه بذلك؟؟


ابتسم حين سمع سؤالي، فشعرت بنشوتي المعتادة في مثل هذه المواقف

تمكنت منه !! وها أنا أحوز على قصة جديدة .... كان هذا ما حدثت به نفسي وبينما أنا في ذلك سمعته يقول:

تلك الأمنية، توارثناها أباً عن جد

والداي كانا يقولانها لكل فرد منا



ثم توقف لفترة، وبدا من عينيه أنه يستعيد شريط تفاصيل الذكريات

بعدها ابتسم ابتسامة يملأها الفخر والاعتزاز ومن ثم التفت إلى وقال:

عندما قلنا "أتمنى لك ما يكفي"

كان كل منا يرغب في أن يحظى الآخر بحياة يملأها ما يكفي من الأحداث والأمور الحسنة لترضيه.


ثم واصل حديثه:

وكان كمن يوجه كلامه لي شخصياً أو أراد أن يعلمني أمراً مهما من خلاله:

أتمنى لك ما يكفي من أشعة الشمس لتبقي يومك وأداءك مشرق

أتمنى لك ما يكفي من المطر والغيم لتقدر الشمس أكثر

أتمنى لك ما يكفي من السعادة لتبقي روحك على قيد الحياة

أتمنى لك ما يكفي من الألم حتى تصبح أصغر وأقصر لحظات السعادة

ذات قيمة لديك وتبدو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي

أتمنى لكما يكفي من الحصاد والفوز لتنال ما أردت في حياتك

أتمنى لك ما يكفي من "مرحبا"

حتى تتجاوز ما سببته لك "مع السلامة"


بعدها ترجل من كرسيه وبدأ خطواته مغادراً، ولكنني أحسست أنه ترك شيئاً منه هناك فوق ذلك المقعد.

نسيت تماماً أمر رحلتي بعد أن غادرني ذلك الرجل وتفكرت في من أحبهم أو ربا أدعي حبهم، هل أخبرتهم فعلاً بحبي لهم !!

هل رأوا وسمعوا مني ما يثبت حبي لهم؟؟

تذكرت من ودعناهم لتوّنا فلم يعودوا معنا في هذه الحياة، وهل سنبقى لنودع غيرهم أم سنكون نحن من يودعنا من نحب !!

أحبتي في الله هذه رسالة من أخ محب لكم يتمنى لكم ما يكفي وأكثر.
بواسطة : admin
 0  0  793
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:56 مساءً الإثنين 10 ديسمبر 2018.